الرئيسيةجديد المبارياتالمباراة الشفوية منهجية التعامل مع الأسئلة | ذ. عبد الرحمان هلالي
جديد المبارياتمختارات

المباراة الشفوية منهجية التعامل مع الأسئلة | ذ. عبد الرحمان هلالي

المباراة الشفوية منهجية التعامل مع الأسئلة مع الاستاذ عبد الرحمان الهلالي

المباراة الشفوية منهجية التعامل مع الأسئلة 

بقلم : الأستاذ عبد الرحمان الهلالي

_____________________________

تروم هذه المداخلة الإفادة بتجربة صاحبِها الخاصةِ في المباراة الشفوية للتعليم، ومنهُ فهي بدءًا ليست إلا جزءًا من كل، أو احتمالا من متعدد. غير أني أرجو أن أفيد بها قدر المستطاع.

المحور الأول: بصدد التهيُّؤ للمباراة:

1ـ التهيُّؤ النفسي:

عادة ما تشكل المباراة الشفوية هاجسا للكثير ممن يتقدمون للتعليم، ولعل السببَ في ذلك رؤيتُهم للمباراة، التي تتأسس على أمرين:

ــ الإلحاحِ النفسي في طلب التوفق في اجتياز المباراة.

ــ الإسقاطِ السلبي لتجارب الآخرين على الذات.

أما الأمر الأول فهو يضخم حجم المباراة في لاوعي المترشح إلى الحد الذي تتلبسه بدل أن يتلبسها، وتحتويه بدل أن يحتويها، وعندما يقع ذلك، يخرج المترشح أثناء المباراة عن سجيته، ويأتي بدلها سلوكات متكلَّفة لا يفلح عادة في تقمصها؛ لأنها ببساطة دخيلة عليه، والطبع يغلب التطبع كما يقال.

وللتخلص من هذا المأزق تقترح المداخلة النصيحة التالية: اجتز المباراة اجتياز المستغني.

أما الأمر الثاني، أي؛ الإسقاطِ السلبي لتجارب الآخرين على الذات، فيجعل المترشح يَطْمِس ذاته، ويُغَلِّب حكما مسبقا على ذاته يخصُّ غيرَه، وبالتالي، قد تسيطر عليه توقعات بالإخفاق وهو متوجه نحو المباراة، ولا وعينا عادة ما يحيل التوقعات حقيقةً، فيحصل الإخفاق بالفعل.

يستطيع المترشح تجاوز هذا المشكل بتعزيز ثقته بنفسه، والثقة بالنفس لا تتعزز إلا بالإيمان الراسخ بأنك مختلف تماما عن الآخرين، ولست نسخة عن أي كان منهم.

2 ـ الهيئة والسحنة:

تعتبر الهيئة في منظور التلميذ جزءًا من شخصية الأستاذ، لذلك تراعي لجنة المباراة هذا الجانب من شخصية المترشح، وإذا شئنا أن نربطها بالعملية التربوية، باعتبار التربية ــ حسب مفاهيم كتب علوم التربية ــ عملا يقوم به الراشدون إزاء القاصرين، فإنها لا تخلو من الإقناع بوجه، ولعل الإقناع يبتدئ من الهيئة والسحنة باعتبارهما جزءًا من الإيتوس حسب الدرس البلاغي والحجاجي، وكلنا يعلم دور الإيتوس في الإقناع، فالمتعلم القاصر يعتبر الأستاذ قدوة له في كثير من الأشياء. ومنه وجب الاعتناء بالهيئة والسحنة باعتبارهما مدخلا ماديا ذا أبعاد أخلاقية وتربوية في نفوس النشء.

3ـ تفادي الإشارات السالبة:

أنبه من خلال هذه النقطة إلى ضرورة تفادي النقاش مع المترشحين الذين اجتازوا المباراة الشفوية للتو، فعادة ما تكون ذات تأثير على تصور المترشح للمباراة؛ إذ ترسخ في نفسه أحكاما مسبقة، قد لا تكون صحيحة بالضرورة. فكما قال فريديرش نيتشه: “كلُّ كلمةٍ حكمٌ مسبقٌ”، ومعلوم تأثير الكلمة على الآخر، لذلك، من الحكمة ألا يشغل المترشح نفسه بمجريات تجارب المترشحين وهو موشك على المقابلة الشفوية.

تَقدَّمْ إلى المباراة وأنت خالي الذهن.

— المحور الثاني: بصدد ولوج قاعة المباراة:

ينادى على المترشح، لاجتياز المباراة، وتبدأ المباراة من هذه اللحظة بالذات، لذلك على المترشح مراعاة بعض المسائل منها:

ــ إلقاء التحية بابتسامة.

ــ عدم الجلوس إلا بعد إذن أحد أعضاء اللجنة.

ــ أخذ وضعية في الجلوس تمكن المترشح من الحديث بأريحية.

— المحور الثالث: أثناء المباراة:

1 ـ سرد تجربة شخصية:

لا بأس أن أتحدث هنا عن مجريات تجربتي الخاصة أثناء المقابلة:

دخلت القاعة بعد طلب اللجنة ملقيا التحية بابتسامة، ظللت واقفا لبرهة، طلب مني أحد الأعضاء بطاقة التعريف الوطنية، وأوعز إليّ بالجلوس، قدم لي أحدهم ورقة بها نص سردي، وطلب مني أن أقرأه في صمت. أخذ الأعضاء الثلاثة يتحادثون ويضحكون بينما كنتُ منغمسا في قراءة النص.

بعدها بلحظات ناداني باسمي ليُلفِت انتباهي: “سي عبد الرحمان، قدم لنا نفسك”.

عادة ما يكون أول ما يطلب من المترشح أن يقدم نفسه، ومن خلال تقديمه تختلق اللجنة أسئلة تطرحها على المترشح؛ مثلا، من خلال تجربتي الشخصية، بعد ذكري لأعضاء اللّجنة ــ وهم ثلاثة؛ أستاذان وأستاذة ــ حصوليَ على شهادة الإجازة بكلية الآداب بمراكش، وإخبارِهم بمتابعتي دراستي بالماستر بكلية اللغة العربية، ثُمَّ موعدِ مناقشةِ الرسالة وموضوعِها، سألني أحد الأعضاء:

ــ ما كان موضوعُ بحثك في الإجازة؟

عندما أجبت: “تصور محمد النويهي للشعر الجديد”، سألني عن أهم كتاب ألفه الرجل بهذا الصدد، أجبت قائلا: كتابُه “قضية الشعر الجديد”، ثم بدأ يناقش معي قضايا الكتاب، ليسألني مرة أخرى عن أهم ما جاء به النويهي في كتابه:

أجبت قائلا: قضية النّبر؛ إذ يدعو إلى نَظْمِ القصائد الشعرية على النظام النبري، بدلَ نظام التفاعيل، هنا أخذ العضو بالاسترسال في الكلام خارج الموضوع: قال لي سأحكي لك ما يشبه النكتة، فأخذ يحكي، لينهي حكايته بقهقهة هو وزميلاه، كان ينتظر مني أن أشاركهم القهقهة، لكنني اكتفيت بالتبسم فقط، لأنني كنت متأكدا أنه يريد أن يخرجني من لحظة رباطة الجأش إلى الادِّهان، ليباغتني بسؤال على حين غرة، وذلك ما حدث بالفعل، إذ سارع إلى مساءلتي مرة أخرى: ما رأيك في ما دعا إليه محمد النويهي؟

لمَستُ في سؤال العضو هنا فخا، يدفعني إلى أن أصدر حكمَ قيمة، ثم بعدها يؤاخذُني على ذلك الحكم، وربما طلب تعليلَه، أو لربما أدخلني في متاهات أخرى كنت في غنى عنها، من قبيل: هل أنت شاعر؟ هل أنت ناقد؟ كم كتابا قرأت في نقد الشعر؟ إلى غير ذلك من الأسئلة الإنكارية التعجيزية…

لذلك أجبته بهدوء: أنا لست شاعرا أو ناقدا للشعر، فلو كنتُ أحدَهُما على الأقل لجاز لي أن أصدر حكما بصدد ما ذهب إليه النويهي، من يدري؟ ذلك بيد الشعراء أنفسِهم، إذا تبنوا دعوة النويهي فستنجح، والعكس بالعكس، الأمر في نهاية المطاف إلى الشعراء.

حينها ابتسم والتزم الصمت. ليبادرني العضو الثاني بأسئلة بصدد مراجع البحث، ثم سألني عن بعض الكتب التي أُلِّفتْ بصدد قضية الشعر الجديد في المشرق والمغرب، فذكرت له كتاب نازك الملائكة “قضايا الشعر المعاصر”، وكتاب عز الدين إسماعيل المصري “الشعر العربي المعاصر؛ قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية” في المشرق. ثم كتابي “ظاهرة الشعر الحديث” و “أزمة الحداثة في الشعر العربي الحديث” لأحمد المعداوي المجاطي في المغرب.

بعد ذلك سألني العضو الأول مجددا:

ــ قلتَ لنا إنك بصدد مناقشة رسالتك في الماستر، ما كان موضوعها؟

— أجبت: “الفعل اللغوي في قصة إبليس؛ تجلياته ونسق اشتغاله”، ابتسموا جميعُهم، ثم طلب مني أن أحدثه عن فصول البحث ومباحثه ففعلت. قال لي: هناك مقال لصادق جلال العظم بعنوان “مأساة إبليس”، فقلت له: قد اعتمدتُه مرجعا في البحث، فقال لي: عليك أن تحذر هذا الرجلَ فنصُّه مشحون بالمراوغات، فدخلت معه في مناقشة قضايا المقال في علاقتها بالبحث.

بعدها سألني العضو الثاني مجددا عن بعض مراجعي في البحث، فذكرت منها إلى أن طلب مني أن أكف.

بعد الانتهاء من مناقشة بحثي الإجازة والماستر، طلب مني قراءة النص الذي بين يدي، فاسترسلت في القراءة، بعد برهة أوقفني ليطلب مني إعراب كلمات من النص، ففعلتُ؛ ما عرفت أجبتُ عنه بما أعرف، وما لم أعرفهُ سكتتُ عنه، غير أني أذكر أنني كنت بصدد إعراب كلمة ممنوعة من الصرف، فسألني ما سبب منعها من الصرف، فأجبت من خلال ما احتفظَت به ذاكرتي من محاضرة لأحد أساتذتي بكلية الآداب، فقال لي من أين أتيت بهذه القاعدة، فقلت له أنها مما سمعته أثناء محاضرة على لسان أستاذ لي بكلية الآداب.

حينها طلب مني أن أنهض إلى السبورة، طلب مني أن أكتب الكلمة الواردة في النص، ثم أملى عليَّ كلمة مشابهة لها، فسألني ما سبب منع الكلمة الثانية من الصرف، حينها فطنت إلى أن القاعدة خاطئة، وأخفقت في الجواب، فالتزمت الصمت، حينها ضحك الجميع ضحكة ساخرة، علمتُ أنها كانت استفزازية فقط، أبديت ابتسامة هادئة، ليباغتني أحدهم متسائلا: من هو الأستاذ الذي قال لك هذه القاعدة؟ أخبرته عن اسمه، نظر إليّ نظرة شزراء، ثم أردف بنبرة فظة: أنت لم تقدم فقط جوابا خاطئا، بل تماديت وأسأت إلى سمعة الأستاذ المقتدر، ونحن نعرفه حق المعرفة، ولا يمكن أن يعطيكم معلومة خاطئة كهذه، أجبتُ بابتسامة: على رسلك أستاذي، قد أكون أخطأت في الإجابة، وربما خانتني ذاكرتي، لكنني لم أقصد الإساءة أبدا إلى أستاذي، فهو من أحب أساتذتي إليّ، وأقدِّره حقَّ قدره. صمت الجميع قليلا ثم بادرني أحدهم مرة أخرى: أي الأسلاك تحب أن تُدرِّس؟ أجبت: السلك الثانوي التأهيلي. فطلب مني أن أكتب جملة بها استعارة على السبورة، ففعلتُ، ثم طلب مني استخراج عناصرها وبيان نوعها، ففعلت. بعدها طلب مني الجلوس، فجلست.

لأول مرة ستبادرني الأستاذة بسؤال، وهي التي لم تسألني أي سؤال، بل كنت أرمقها تركز نظرَها عليَّ وتسجل بين الفينة والأخرى رؤوس أقلام على ورقة. تسألني: النص الذي قرأت هو لنجيب محفوظ، ماذا تعرف عن الرجل؟ قلت: هو روائي مصري، وحاصل على جائزة نوبل للآداب.

سألتني مرة أخرى عن بعض أعماله: أجبت: رواية “اللص والكلاب” هذا ما أعرف من أعماله. حينها بادرني أحد العضوين قائلا: أنت مقبل الآن على التعليم، ولا بد أن تكون مطلعا على الكثير من الأعمال الأدبية رواياتٍ ومجموعاتٍ قصصيةً، فهل تستطيع تدريس المؤلفات وأنت لا تطلع على الأعمال الأدبية.

أجبته: حقيقة لا أقرأ الروايات، لأنني لا أجد ذاتي فيها، لكن ذلك لا يعني أن لدي عقدة اتجاهها، غير أن اهتمامي ينصرف إلى أشياء أخرى فحسب. سألتني الأستاذة: كيف تدرس مؤلفا أدبيا للمتعلمين إذن؟ قلت: باعتماد المنظورات الست. قالت: ما هي؟ أجبت: تتبع الحدث/ القوى الفاعلة/ الكشف عن البعد النفسي/ الكشف عن البعد الاجتماعي والتاريخي/ استخراج البنية/ تعرف الأسلوب.

عندها أنهت الأستاذة قائلة: على الباحث أن يحين دائما معارفه ومناهجه، ثَمَّنْتُ كلامها. تبادلتُ كلمات الشكر مع أعضاء اللجنة، سُلّمتْ لي بطاقة التعريف بعد التوقيع. وانصرفت بعد إذنهم.

2 ـ دروس مستفادة من التجربة:

من خلال التجربة أعلاه يمكن استنتاج بعض الدروس في منهجية التعامل مع أسئلة المباراة، يمكن إجمالها في الآتي:

– على المترشح أن يضع في الحسبان أنه هو من يوجه النقاش داخل المباراة، بمعنى أنه من خلال كلامه وطرق أجوبته يفتح المجال لمزيد من الأسئلة للجنة؛ معنى ذلك أن عليه أن يتوجه باللجنة دائما إلى ما يعرفه لا إلى ما يجهله.

– عادة ما تحاول اللجنة أن توقع بالمترشح في فخ ما من خلال الأسئلة، لذا على المترشح أن يحذر من هذا النوع من الأسئلة التي تؤدي به إلى أفق مسدود.

– تحاول اللجنة أحيانا أن تراود المترشح، لتخرجه من رباطة جأشه، ثم تباغتَه بعد ذلك بسؤال محرج، يكون بمثابة صدمة، لتكتشف مدى قوة شخصية المترشح، لذا على المترشح ألّا ينساق مع كل أشكال المراودة، وأن يحتفظ لنفسه بالحياد.

– تختلق اللجنة فرصا لاستفزاز المترشح كالضحكات الساخرة من جواب معين له، أو من مأزق ساقته إليه، أو التظاهرِ بالغِلظة في مخاطبته، لتختبر مدى قدرته على المحافظة على رباطة جأشه وحِكمتِه وعدم اندفاعه في الوضعيات التواصلية المتوترة.

– تراعي اللجنة جانب الأمانة العلمية في المترشح، لذا عليه ألاّ يحاول تقديم أجوبة مُخَمَّنة، أو مشكوك في صحتها، وأن يعترف بعدم معرفة الجواب؛ لأن اللجنة لن تتوانى في اتهامه بتقديم المعلومات الخاطئة للمتعلمين أثناء الدرس.
– هناك عضو يراقب أشكال تحركات المترشح وتصرفاته، وهيئته وملامحه، وكل أشكال لغة الجسد أثناء المباراة، (عادة ما توكل هذه المهمة للأستاذات لدقة ملاحظتهن)؛ لذلك على المترشح أن يحرص على إتيان الأفضل منها دون تكلُّف.

– لا تَسْتَجْدِ، لا تَسْتَجْدِ أيًّا كان مهما يكن الأمر، قَدِّر الآخرَ حقَّ قدره، وقدِّر نفسك أيضا، ودافع عن نفسِك إذا اقتضى الأمر بكل أدب وأنت مبتسم.

ختاما:

– لا للتعاقد.

– لا لخوصصة المدرسة العمومية.

– لا لتسليع التعليم.

– لا للزحف على حقوق الشغيلة التعليمية.

– نعم لتعليم شعبي، ديموقراطي، موحد يضمن كرامة الأسرة التعليمية تلامذة وأساتذة وأطر إدارية.

للرجوع إلى الصفحة الرسمية لموقع سلسلة لقاء مع الموجه من هنــا

لزيارة قناة سلسلة لقاء مع الموجه من هنا 

فريق سلسلة لقاء مع الموجه
سعيد العبيوي حاصل على شهادة الاجازة الاساسية في شعبة الدراسات الفرنسية بكلية الآداب والعلوم الانسانية بمراكش ويتابع دراسته حاليا بسلك الماستر تخصص فرنسية. شارك في مجموعة من الملتقيات الخاصة بالتوجيه التربوي. كما يعد المشرف العام على قناة #سلسلة_لقاء_مع_الموجه التي يصل عدد متابعيها إلى 000 24 متابع ومتابعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!